في وقتٍ كان فيه المزارع السوري ينتظر بصيص إنصاف بعد مواسم متتالية من الخسارة والإجهاد، جاء قرار تسعيرة القمح الأخير ليُشعل موجة غضب واسعة، تتجاوز حدود الاعتراض الاقتصادي إلى حالة من القهر الاجتماعي العميق، تنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل الزراعة في البلاد.
من الرقة إلى دير الزور، مروراً بـ سهل الغاب والقامشلي، تتشابه الروايات وتتوحد المفردات:
مدمّر… الكلمة الأكثر تكراراً على ألسنة المزارعين الذين وصفوا التسعيرة بأنها لا تغطي حتى تكاليف الإنتاج، ناهيك عن تحقيق أي هامش ربح يضمن استمرارية العمل الزراعي.
أكثر من 90% من المزارعين الذين تم التواصل معهم أجمعوا على أن القرار لا يهدد الموسم الحالي فقط، بل يضرب أساس العلاقة بين الفلاح وأرضه، ويقوّض الثقة بأي سياسات زراعية مستقبلية.
لا تتوقف تداعيات القرار عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى ما هو أعمق: شعور بالخذلان، وانكسار في المعنويات.
عدد من المزارعين تحدثوا عن ديون متراكمة، ومواسم سابقة خاسرة، لتأتي التسعيرة الحالية كـ”الضربة القاضية”.
بل إن بعض الشهادات كشفت عن أفكار مأساوية، حيث أشار مزارعون إلى أن هناك من يفكر بإحراق أرضه، في محاولة لإقناع الدائنين بحجم الكارثة التي يعيشها.
قرار يهدد الدورة الاقتصادية بأكملها
الزراعة في سوريا ليست قطاعاً معزولاً، بل هي العمود الفقري لدورة اقتصادية متكاملة.
خسارة المزارع تعني بالضرورة:
تراجع الحركة التجارية في الأسواق
انخفاض القدرة الشرائية في المدن والقرى
تأثر سلاسل الإنتاج المرتبطة بالقمح (نقل، طحن، تصنيع)
بمعنى آخر، ما يجري ليس أزمة فلاحين فقط، بل بداية أزمة اقتصادية أوسع.
اللافت في هذا المشهد أن الغضب لم يعد موجهاً فقط للقرار بحد ذاته، بل امتد ليشمل شعوراً متزايداً بالتهميش، خصوصاً في المناطق الشرقية.
عدد من المزارعين عبّروا صراحة عن فقدان الثقة، معتبرين أن معاناتهم لا تجد صدى حقيقياً لدى صناع القرار.
هذا الغضب، بحسب مراقبين، قد لا يبقى في إطار الكلام، بل قد يتحول إلى احتجاجات، خاصة في ظل تراكمات اقتصادية واجتماعية ممتدة لسنوات.
رغم سوداوية المشهد، لا يزال بعض المزارعين يتمسكون بأملٍ ضعيف، يتمثل بإمكانية تقديم مكافآت إضافية على تسليم القمح، كما حدث في مواسم سابقة.
لكن هذا الأمل يبدو هشّاً أمام واقعٍ يتجه نحو مزيد من التعقيد.
تسعيرة القمح الأخيرة لم تكن مجرد رقم حكومي، بل تحوّلت إلى نقطة مفصلية في العلاقة بين الدولة والمزارع.
إما أن تُراجع السياسات بما ينقذ ما تبقى من القطاع الزراعي،
أو أن يُفتح الباب أمام انهيار تدريجي قد يصعب احتواؤه لاحقاً.
في الحقول اليوم… لا يُسمع صوت الحصاد،
بل صدى سؤال واحد يتردد في كل الاتجاهات:
كيف يمكن لمزارع خاسر أن يزرع موسماً جديداً؟



