قراءة التاريخ تكتب المستقبل

بقلم: بنكين محمد
ليست الأمم التي تجهل تاريخها سوى كمن يسير في صحراء بلا بوصلة، يكرر الدوران حول نفسه ويظن أنه يتقدم. فالتاريخ ليس سرداً لوقائع مضت، بل هو خريطة عميقة للوعي، تُرشد الحاضر وتفتح نوافذ المستقبل. وحين نتحدث عن الكرد في الشرق الأوسط، فإننا لا نستحضر الماضي بدافع الحنين، بل بدافع الحاجة… الحاجة إلى فهم ما جرى كي لا يتكرر، وإلى إدراك ما فات كي لا يضيع ما هو آتٍ.
الكرد، هذا الشعب الذي توزعت جغرافيته بين خرائط السياسة وتقلبات المصالح، عاش قرناً كاملاً من الوعود المؤجلة والفرص الضائعة. منذ اتفاقيات التقسيم الكبرى في مطلع القرن العشرين، لم يكن غياب الدولة الكردية مجرد صدفة تاريخية، بل نتيجة مباشرة لتشابك عوامل داخلية وخارجية: صراعات إقليمية، حسابات دولية، وانقسامات داخلية أنهكت المشروع الكردي أكثر مما أنهكته القوى المعادية له.
لكن قراءة التاريخ الكردي لا يجب أن تكون قراءة بكائية، ولا خطاب مظلومية فقط، بل قراءة نقدية شجاعة. فالتاريخ يخبرنا أن الفرص لا تضيع فقط لأن الآخرين يرفضوننا، بل أحياناً لأننا لم نحسن إدارة أنفسنا. كم من لحظة تاريخية كان يمكن أن تتحول إلى نقطة تحول، لكنها تبعثرت بين خلافات سياسية أو حسابات ضيقة؟ وكم من تجربة أثبتت أن وحدة الصف ليست شعاراً أخلاقياً فقط، بل شرطاً وجودياً؟
وفي المقابل، يكشف التاريخ أيضاً عن قوة هذا الشعب وقدرته على النهوض رغم كل شيء. من الانتفاضات المتكررة إلى التجارب السياسية الحديثة في أجزاء مختلفة من كردستان، يظهر بوضوح أن الإرادة الكردية لم تُكسر، بل أعادت تشكيل نفسها بأشكال متعددة. وهذا بحد ذاته درس تاريخي مهم: أن الشعوب التي تملك الوعي بذاكرتها، تملك القدرة على إعادة كتابة مصيرها.
اليوم، يقف الكرد أمام مرحلة مفصلية جديدة في الشرق الأوسط، حيث تتغير التوازنات بسرعة، وتُعاد صياغة التحالفات بلغة المصالح لا المبادئ. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل سنتعلم من تاريخنا، أم سنعيد إنتاجه؟ هل سنبني على تجاربنا السابقة، أم سنكرر أخطاءها بثوب جديد؟
إن قراءة التاريخ لا تعني الوقوف عنده، بل تجاوزه بوعي. تعني أن نفهم أن السياسة لا تُبنى على العاطفة وحدها، ولا على ردود الفعل، بل على رؤية استراتيجية طويلة الأمد. تعني أن ندرك أن العالم لا يمنح الحقوق مجاناً، بل يعترف بمن يعرف كيف يفرض نفسه كشريك لا كطرف هامشي.
المستقبل لا يُكتب بالأمنيات، بل بالوعي. والوعي يبدأ من هنا: من قراءة دقيقة، صادقة، وشجاعة للتاريخ. فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس ما حدث فقط… بل ما نفهمه منه.
ولهذا، فإن الكرد—كما كل شعوب المنطقة—أمام خيار واضح: إما أن يكون التاريخ عبئاً يُثقل الحاضر، أو أن يكون أداة تُنير الطريق نحو مستقبل مختلف. وفي هذا الاختيار، تُكتب الحكاية القادمة.


