الهوية الكوردية…
الاستراتيجية الأذكى لعبور المرحلة الحاسمة

بقلم الكاتب بنكين محمد
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا تُقاس قوة الشعوب بما تملكه من سلاح أو بما تعقده من تحالفات عابرة، بل بما تتمسّك به من هوية. وفي هذه المرحلة الحسّاسة والحاسمة التي يمرّ بها الشعب الكوردي، حيث تتكاثر الضغوط وتتشابك المشاريع وتضيع البوصلة بين الشعارات الكبرى، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: التمسّك بالهوية الكوردية هو الاستراتيجية الأذكى، والأكثر أماناً، لتحقيق الهدف.
الهوية الكوردية ليست ترفاً ثقافياً ولا شعاراً عاطفياً يُرفع في المناسبات، بل هي مشروع وجود. هي الذاكرة الجمعية التي منعت الذوبان، واللغة التي صمدت في وجه المنع، والثقافة التي قاومت الإلغاء، والوعي الذي حافظ على استمرارية الحلم رغم الانكسارات. كل تجربة سياسية تجاهلت هذه الهوية، أو حاولت تمييعها تحت عناوين فضفاضة، انتهت إلى الفشل أو التحوّل إلى عبء على القضية نفسها.
في زمن الاضطراب، تميل بعض القوى إلى الهروب نحو مفاهيم عامة تفتقر إلى الجذور، ظنّاً منها أن التخفّف من الخصوصية يمنحها قبولاً أوسع. لكن التجربة الكوردية، كما تجارب شعوب كثيرة، تثبت العكس تماماً: من لا يُعرّف نفسه بوضوح، يُعرَّف عنه الآخرون بما يخدم مصالحهم. الهوية الواضحة لا تعني الانغلاق، بل تمنح القدرة على الانفتاح من موقع الندّية لا التبعية.
التمسّك بالهوية الكوردية اليوم هو فعل عقلاني قبل أن يكون موقفاً عاطفياً. هو لغة سياسية يفهمها العالم، لأنه يختصر المطالب، ويمنحها مشروعية أخلاقية وتاريخية. عندما يقول الكوردي: أنا هنا بهويتي ولغتي وثقافتي، فإنه لا يهدد أحداً، بل يطالب بحقه الطبيعي في الوجود الكريم، وهو حق تكفله القيم الإنسانية قبل المواثيق الدولية.
إن أخطر ما يمكن أن نرتكبه في هذه المرحلة هو تفكيك الذات الكوردية من الداخل، عبر التشكيك بثوابتها أو تقديمها كعائق أمام التقدّم. على العكس تماماً، الهوية هي القاعدة الصلبة لأي مشروع سياسي ناجح. من دونها، تتحوّل السياسة إلى إدارة مؤقتة للأزمات، لا إلى مسار تحرّر حقيقي.
الضجة الإعلامية الحقيقية لا تُصنع بالصراخ، بل بالوضوح. والرسالة الأقوى التي يمكن إيصالها اليوم هي أن الشعب الكوردي يعرف من هو، وماذا يريد، وعلى أي أرض يقف. هذا الوعي هو ما يُربك الخصوم، ويجبر الحلفاء على الاحترام، ويمنح الأجيال القادمة سبباً للإيمان بالمستقبل.
في النهاية، قد تتغيّر الظروف، وتتبدّل التحالفات، وتنهار المشاريع الكبرى، لكن ما يبقى هو الهوية. ومن يتمسّك بهويته في الزمن الصعب، هو وحده القادر على صناعة النصر عندما تحين اللحظة.
ملاحظة المقالة تعبر عن رأي كاتبها


