الكورد… أواني النور المكسورة وشرط الخلاص

بقلم: بنكين محمد
الحديث عن الشعب الكردي ليس حديثًا عاطفيًا ولا خطابًا إنشائيًا يُقال في لحظة انفعال، بل هو قراءة في مأساة تاريخية مستمرة، وفي ظلمٍ ممنهج لم يتوقف منذ قرون. فالكورد لم يكونوا يومًا شعبًا بلا هوية، ولا جماعة بلا جذور، بل كانوا — ولا يزالون — أواني للنور، حَمَلة معنى الحق، قبل أن تتكالب عليهم الدول والأنظمة والمشاريع الدينية المسيّسة.
المأساة الكردية لم تبدأ من داخل البيت الكردي، بل فُرضت عليه من الخارج. أواني النور لم تنكسر ذاتيًا، بل كُسرت عمدًا. قُسّم الكورد بين أربع دول، لا لشيء سوى لأن وجود شعبٍ حرّ، متماسك، صاحب حق تاريخي وأرض واضحة المعالم، كان — وما زال — تهديدًا مباشرًا لبنية دولٍ قامت على الإنكار والقمع وطمس الهويات.
سُلب من الكورد حق تقرير المصير، وهو حق طبيعي تكفله الشرائع الإنسانية قبل القوانين الدولية. لم يُسألوا إن كانوا يريدون هذه الحدود، ولا هذه الجنسيات المفروضة، ولا هذه الهويات القسرية. وبدل أن يُمنحوا حق الاختيار، فُرضت عليهم سياسات الصهر، والتجويع، والتهميش، والتخوين، وكأن وجودهم خطيئة يجب التكفير عنها.
الأنظمة التي حكمت الكورد لم تتعامل معهم كمواطنين، بل كملف أمني. والدول التي تقاسمتهم لم ترَ فيهم شركاء، بل خطرًا دائمًا. أما الأديان حين أُقحمت سياسيًا، فبدل أن تكون رسالة نور، تحولت إلى أداة انقسام وتبرير للظلم.
ورغم ذلك كله، لم ينطفئ النور.
بقي الكوردي، في الجبل والسهل والمنفى، متمسكًا بلغته، بثقافته، بذاكرته الجمعية، وبإحساسٍ عميق أن هذا الظلم لا يمكن أن يكون قدرًا أبديًا. غير أن الحقيقة المُرّة التي لا بد من قولها بوضوح: لا تحرر للكورد دون وحدتهم.
الوحدة الكردية ليست شعارًا احتفاليًا ولا خطابًا يُرفع في المناسبات، بل هي شرط وجودي، ومعركة وعي قبل أن تكون تحالفات سياسية. ما دام الكوردي يُعرّف نفسه أولًا من خلال الحزب أو العشيرة أو الجغرافيا الضيقة، فسيبقى الإناء مكسورًا، وسيظل النور متسرّبًا، ويستفيد منه الآخرون.
أما حين يدرك الكورد أن اختلافهم مصدر قوة لا ضعف، وأن تنوعهم امتداد للنور لا انقسامًا فيه، عندها فقط يبدأ المسار الحقيقي للتحرر. الاتحاد الكردي ليس عدوانًا على أحد، ولا تهديدًا لجيران، بل استعادة لحق مسلوب، وتصحيح لخطأ تاريخي فادح.
كوردستان الكبرى ليست حلمًا طوباويًا، بل نتيجة منطقية لوحدة شعبٍ حُرم طويلًا من حقه الطبيعي. هي ليست مشروع هيمنة، بل تجسيدٌ لغاية عادلة: أن يكون للحق كيان، وللنور وعاء مكتمل، وللشعب الكردي مكانه الذي يليق بتضحياته.
الكورد أبناء النور، لا لأنهم يدّعون الكمال، بل لأنهم صمدوا رغم كل محاولات الإطفاء. وهم أصحاب الحق، لا بشهادة الشعارات، بل بحكم التاريخ والدم والمعاناة.
قد يتأخر العدل، لكنه لا يسقط. وقد ينكسر الإناء، لكن النور لا يموت. وحين يتحد الكورد، لن يكون ذلك انتصارًا لقومية فقط، بل انتصارًا للحق على الظلم، وللنور على العتمة.
ملاحظة: المقالة تعبر عن وجهة نظر الكاتب



